فخر الدين الرازي
255
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
سألوا الرد إلى حال وهم في الوقت على مثلها بل كانوا يتوبون ويؤمنون في الحال فبطل ما حكي عن النجار وطبقته من أن التكليف باق على أهل الآخرة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 54 ] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 54 ) [ في قوله تعالى إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ] اعلم انا بينا ان مدار امر القرآن على تقدير هذه المسائل الأربع وهي التوحيد والنبوة والمعاد والقضاء والقدر ولا شك ان مدار اثبات المعاد على اثبات التوحيد والقدرة والعلم فلما بالغ اللَّه تعالى في تقرير امر المعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على التوحيد وكمال القدرة والعلم لتصير تلك الدلائل مقررة لأصول التوحيد ومقررة أيضا لإثبات المعاد وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : حكى الواحدي عن الليث أنه قال : الأصل في الست والستة سدس وسدسة أبدل السين تاء ولما كان مخرج الدال والتاء قريبا ادغم أحدهما في الآخر واكتفى بالتاء عليه انك تقول في تصغير ستة سديسة وكذلك الأسداس وجميع تصرفاته يدل عليه . واللَّه اعلم . المسألة الثانية : الْخَلْقُ التقدير على ما قررناه فخلق السماوات والأرض إشارة إلى تقدير حالة / من أحوالهما وذلك التقدير يحتمل وجوها كثيرة : أولها : تقدير ذواتهما بمقدار معين مع أن العقل يقضي بان الأزيد منه والأنقص منه جائز فاختصاص كل واحد منهما بمقداره المعين لا بد وان يكون بتخصيص مخصص وذلك يدل على افتقار خلق السماوات والأرض إلى الفاعل المختار . وثانيها : ان كون هذه الأجسام متحركة في الأزل محال لان الحركة انتقال من حال إلى حال فالحركة يجب كونها مسبوقة بحالة أخرى والأزل ينافي المسبوقية فكان الجمع بين الحركة وبين الأزل محالا . إذا ثبت هذا فنقول : هذه الأفلاك والكواكب اما ان يقال : ان ذواتها كانت معدومة في الأزل ثم وجدت أو يقال : انها وان كانت موجودة لكنها كانت واقفة ساكنة في الأزل ثم ابتدأت بالحركة وعلى التقديرين فتلك الحركات ابتدأت بالحدوث والوجود في وقت معين مع جواز حصولها قبل ذلك الوقت وبعده وإذا كان كذلك كان اختصاص ابتداء تلك الحركات بتلك الأوقات المعينة تقديرا وخلقا ولا يحصل ذلك الاختصاص الا بتخصيص مخصص قادر ومختار . وثالثها : ان اجرام الأفلاك والكواكب والعناصر مركبة من أجزاء صغيرة ولا بد وان يقال : ان بعض تلك الأجزاء حصلت في داخل تلك الاجرام وبعضها حصلت على سطوحها فاختصاص حصول كل واحدة من تلك الأجزاء بحيزه المعين ووضعه المعين لا بد وان يكون لتخصيص المخصص القادر المختار . ورابعها : ان بعض الأفلاك أعلى من بعض وبعض الكواكب حصل في المنطقة وبعضها في القطبين فاختصاص كل واحد منهما بموضعه المعين لا بد وان يكون لتخصيص مخصص قادر مختار . وخامسها : ان كل واحد من الأفلاك متحرك إلى جهة مخصوصة وحركة مختصة بمقدار معين مخصوص من البطء والسرعة وذلك أيضا خلق وتقدير ويدل على وجود المخصص القادر . وسادسها : ان كل واحد من الكواكب مختص بلون مخصوص مثل كمودة زحل ودرية المشتري وحمرة المريخ وضياء الشمس واشراق الزهرة وصفرة